الشيخ ياسين البكري… مقاتل فوق سور القدس

الشيخ ياسين البكري… مقاتل فوق سور القدس

كتب: فادي عاصلة

مؤسس ومدير أرشيف خزائن

يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

كان المصور المقدسي خليل رصاص (1926-1974) ، شاباً في مقتبل العمر حين حلت النكبة، وكان يعرف أن الكاميرا التي يحملها قادرة على نقل مرحلة كاملة للأجيال القادمة، كما أنها قد تكون شاهداً على التضحيات الفلسطينية، فحمل عدسته ورافق المقاتلين الفلسطينيين لأشهر طويلة في شتى المعارك، وثق نشاطات الشهداء والمقاتلين من معارك عبد القادر الحسيني، وكامل عريقات حتى عمليات فوزي القطب وحافظ بركات.

في نيسان من عام 1948 تم اقتحام ستوديو رصاص وسرقة محتوياته من قبل قوات الهاجاناة، ارث بأكمله سُلب، وتاريخ من الصور والذكريات نُقل في صناديق إلى الأرشيفات الصهيونية حيث تكدست هناك أعمال رصاص بجانب أعمال العديد من المصورين والكتاب والمفكرين الفلسطينيين، آلاف الحكايات إما طُمست أو مُحيت، وظلت حكايات الكثيرين منهم لسنين طويلة مجهولة، بحيث اضطر الفلسطيني دوماً إلى اكتشاف هويته والتنقيب عن إرثه.

واحدة من الصور التي التقطها رصاص وأفرج عنها قبل عدة سنوات كانت صورة مؤثرة لكتيبة المقاتلين التي دافعت عن سور القدس، وهم في أوج المعركة، يتوسطهم شاب يؤشر باصبعه إلى شيء ما خارج السور، وهو الشيخ ياسين البكري، إمام المسجد الأقصى وأحد مناضلي القدس الذين ساهموا في صناعة جزء مهم من تاريخ المدينة.

ولد الشيخ ياسين في مدينة الخليل عام 1904 ودرس في كُتّاب ثم انتقل إلى المدرسة ثم التحق بالأزهر حيث نال شهادة العالِمية في أواخر عشرينيات القرن الماضي. ليستقر في القدس  بعد عودته إلى فلسطين، كمعلم في مدرسة المسجد الأقصى داخل أسوار القدس ومن ثم في المدرسة الابراهيمية خارج الأسوار[1].

في العمل العسكري

ستبدأ مسيرة الشيخ ياسين الثورية عام 1934 والتي نعرف بعض تفاصيلها من خلال مذكرات المناضل الراحل بهجت أبو غربية  حيث يقول: “شكلنا في القدس مجموعة ثورية مسلحة، وجاء استشهاد القسام البطل ليحفزنا على الاقدام والتحرك وأن نتخذ منه قدوة لنا”[2].ويظهر من خلال شهادة أبو غربية أن الشيخ ياسين البكري كان من الطلائع في التنظيم إلى جانب الشهيد عبد الحفيظ بركات والشهيد سامي الأنصاري وغيرهما. يضيف أبو غربية في مذكراته أن الشيخ ياسين البكري شارك في عدة عمليات في جبال الخليل كانت تستهدف مراكز الشرطة البريطانية ودرويات الجيش الانجليزي، حيث كان يساند بين الحين والآخر الشيخ عبد الحفيظ بركات الذي استشهد هناك[3]، ويبدو أن هذا النشاط كان سبب اعتقال الشيخ ياسين في النصف الثاني من عام 1936 وسجنه لمدة 30 شهراً حيث أُفرج عنه عام 1939.

لا نعرف الكثير من المعلومات حول دور الشيخ ياسين في العمل السياسي والعسكري بعد تحرره من الأسر، ولكن ملفاً سرياً للاستخبارات الصهيونية محفوظاً في “أرشيف الدولة الاسرائيلي” يقدم معلومات ملفتة حول دوره، حيث يشير التقرير إلى أن البكري عمل لمدة عام تقريباً مُركّزاً للجنة مقاطعة المنتوجات الصهيونية  في القدس، وإلى كونه مشرفاً على مراقبي المقاطعة الفلسطينيين وعلى المقاتلين المساندين لهم[4].

يقول التقرير الاستخباري  حول الشيخ ياسين إنه “مثقف وصاحب فراسة، وشخصيته مرغوبة جداً على المستوى الجماهيري”. شخصية البكري المحبوبة ستلتقي مع توجه ثوري سيقوده إلى الانخراط في صفوف “الجهاد المقدس” للدفاع عن مدينة القدس والمشاركة في العديد من المعارك، وكانت الصورة التي التقطها خليل رصاص شاهدة على ذلك.

يشير التقرير الاستخباري إلى قيام الشيخ ياسين بالقاء قنبلة على مدخل إحدى القنصليات، والتي ربما كانت القنصلية السويدية، وذلك بسبب مواقف السويد من القضية الفلسطينية.

في الأسابيع التي تلت ذلك، يخبرنا المؤرخ المقدسيّ عارف العارف في موسوعته حول النكبة أن العرب قد وافقوا في 20 كانون الثاني من عام 1948 على السماح لليهود بنقل جرحاهم من البلدة القديمة، حيث حقق الفلسطينيون والعرب هناك انتصارات هامة، وقد تم نقل الجرحى اليهود باشراف الشيخ ياسين البكري[5] وهو ما يشير إلى دوره القيادي في البلدة القديمة،  حيث قاتل على رأس كتيبة مكونة من ثمانين مقاتلاً فلسطينياً بقيادة حافظ بركات (أبي الفيلات) وكان الشيخ البكري مساعده في القيادة[6].

ستنتهي المعركة في البلدة القديمة على عكس كل المعارك بانجاز نسبي، حيث ستسقط حارة اليهود بيد الفلسطينيين في 28 أيار من عام 1948 ويجري التفاوض على اخلاء الحي وتسليمه للجانب العربي، وكان الشيخ ياسين أحد المفاوضين إلى جانب كامل عريقات وفاضل رشيد العراقي والدكتور عزت طنوس وآخرين[7].

كان نصراً جزئياً في القدس مقارنة بخسارات كبيرة في حيفا ويافا وصفد وطبريا وغيرها. انتهت الحرب، لكن الفلسطينيين لم يقتنعوا بانتهائها، كانوا مؤمنين بأن هذه معركة ستطول وأن تخزين السلاح واجب إلى حين بدء المعركة القادمة، لكن تخزين السلاح في واقع متوتر كالذي شهدته القدس كان اشكالياً، ومع تواجد القوات الأردنية واغتيال الأمير عبد الله، كان لا بد أن يجلب ذلك أعباء وتداعيات أخرى، وكان على البكري أن يُقنع السلطات الأردنية بأن هذا السلاح المُخزّن ليس موجهاً إليهم بل هو مُعدٌ لمعركة قادمة مع الاحتلال الاسرائيلي، وهكذا أفرج عنه بعد أن تأكدت من ذلك السلطات الأردنية.

ذكريات الدكتور يعقوب نزهة …

كان الدكتور نزهة المولود عام 1894 قد اشتهر في القدس منذ تخرجه من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1921[8]، حيث سكن في غربي القدس، وافتتح عيادته في باب الخليل. في معارك غربي القدس استولت على بيته القوات الصهيونية. يقول الشاعر فوزي البكري: “التقى والدي بالدكتور نزهة أثناء رحيله عن بيته ولم يكن يحمل سوى حقيبته البنية”، ولسنين ستظل صورة الدكتور نزهة محفورة في ذهن الشيخ ياسين. وسيصير إمام المسجد الأقصى، المسلم الملتزم والهاديء صديقاً للدكتور نزهة المسيحي العلماني ذي اللسان السليط والصوت الجهوري.

سُيهجّر الدكتور يعقوب نزهة من منزله، وسيسكن في شارع الزهراء (عمارة الحلاق بجوار سينما القدس)  وسيعمل بعدها مديراً لدائرة الصحة في القدس.

في أحد المواقف التي يرويها الشاعر فوزي البكري عن علاقة الدكتور نزهة بوالده: حين عزم والدي على الحج، سأله الدكتور نزهة حول وجهته، فأجاب إلى مكة للحج، فضحك الدكتور نزهة قائلاً خمسة عشر ألف كيلو متر من السفر لأجل الحج؟ إن الحج المفروض عليّ كمسيحي هو الكنيسة هنا في القدس ولا أفعله، دعك من ذلك. ضحك الشيخ ياسين وسأله: “ماذا تريد من مكة؟” فأجاب الدكتور نزهة أنه يريد أن يجلب له “طاسة الرعبة” وما يستطيع حمله من ماء زمزم، فاستغرب الشيخ ياسين مستفهماً، فقال الدكتور نزهة، ثمة أناس طيبون قد يفيدهم ماء زمزم أكثر من أي شيء آخر، هم فقط يريدون شيئاً يؤكد لهم أنهم سيشفون، وماء زمزم قد يفعل ذلك.

قبل وفاته بسنوات أدخل الدكتور نزهة مستشفى الهوسبيس للعلاج، فقرّر له الأطباء نظاماً غذائياً خاصاً، لكنه لم يلتزم به، وكان يداعب الشيخ ياسين بقوله “الأيام مقدرة” منادياً حارس المشفى لجلب الطعام الذي يحبه، وقد توفي الدكتور نزهة عام 1965.

خلال السنين التي تلت ذلك، سيظل الشيخ ياسين في وظيفته كإمام في المسجد الأقصى، سيصغي إلى داخله، سيكتب الشعر، وينظم القصائد وستكون قصيدته في مدح النبي التي سماها “البكرية في مدح خير البرية” ذروة أعماله، أدب وشعر وثقافة ربما هي الجبهة الثانية التي قرر البكري أن يخوض معركته فيها، معركة سيكملها ابنه فوزي البكري الذي سيكون أحد شعراء القدس البارزين وستوثق قصائده تفاصيل المدينة والسور بكل ما فيها من حب وحزن وفرح وتناقضات.

 سيغادر الشيخ ياسين البكري دنيانا في 29 نيسان من عام 1973. تماماً في يوم عيد ميلاد ابنه فوزي، كأن الأقدار شاءت أن يسلم أحدهما الراية للآخر، لكن روح الشيخ ياسين.. من يدري؟ ربما ما زالت هناك في مكان ما على سور القدس تؤشر لنا كل يوم إلى شيء ما ولا نراها.


[1] بناء على مقابلة مع ابنه الشاعر فوزي البكري، أجريت المقابلة بتاريخ 9 حزيران 2020، في بيته في البلدة القديمة في القدس. والذي وفر لنا الكثير من المعلومات والمواد كما ساهم في تدقيق النص لغوياً.

[2] أبو غربية، بهجت. مذكرات المناضل بهجت أبو غربية 1916-1949: في خضم النضال العربي الفلسطيني. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1993. ص 48

[3] المصدر السابق. ص 67.

[4] ملف سري للاستخبارات الصهيونية، كانون الثاني – أيار 1948. رقم الملف פ6 – 1055 أرشيف الدولة

[5] العارف، عارف. النكبة – نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947-1949. الجزء الأول من قرار التقسيم 29/11/1947  إلى بدء الهدنة الأولى 11/6/1948. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2012. ص 85.

[6] المصدر السابق، ص317.

[7] المصدر السابق، ص 480.

[8] لمعلومات أوفى حوله راجع: Alumni DirectoriesDirectory of Alumni, 1870-1952: Compiled by AUB

3 أفكار على ”الشيخ ياسين البكري… مقاتل فوق سور القدس

  1. من الخطأ إعتماد ارشيف المخابرات الصهيونية مرجع لتأريخ فلسطين فهو يدس السم في العسل , او التنويه لخطورة المعلومات التي قد ترد في فيه , ووجوب توخي الحذر والدقة , وعدم النقل المجرد دون التنويه الى ذلك.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s