أحمد حسين الخطيب، الفنان الذي أصلح سلاح الثوار

أحمد حسين الخطيب  

الفنان الذي أصلح سلاح الثوار

كتب: فادي عاصلة

في 27 تشرين الثاني من عام 1937 اشتعلت البلاد على وقع اعدام الشيخ فرحان السعدي والذي كان خليفة عز الدين القسام ووريثه، وكان الاعدام في الرابع والعشرين من شهر رمضان، حيث نفذ الحكم والشيخ فرحان صائماً، وكان يبلغ حينها الخامسة والسبعين من العمر. شكل إعدام الشيخ حالة غضب شديدة، سرعان ما تحولت إلى تنظيم سري مسلح حمل اسم “أخوان فرحان” وانتشر في كافة أنحاء فلسطين خاصة بين القرويين.

يقول أكرم زعيتر في 20 كانون الأول من عام 1937، أخذ تنظيم “إخوان فرحان” يقود العصابات الثائرة في فلسطين. ولكثرة المجاهدين الذين التحقوا بهذا التنظيم، فقد رأى قائده أن يتفرع عنه ثلاث عصابات تجاهد في أماكن مختلفة.

إحدى العصابات هذه خاضت عملياتها في منطقة شعب، تبادلت اطلاق النار مع البوليس الانجليزي على مقربة من القرية، واستشهد على أثر التبادل الشاب توفيق محمد نصار أبو نصار من قرية الجيب.

مباشرة بعد الحادثة طوقت قوات البوليس الانجليزي قرية شعب وفتشت العديد من البيوت، حيث وجدت في بيت أحمد حسين الخطيب خمسة مسدسات وكمية من الذخيرة فاعتقل الشاب أحمد وكان يبلغ من العمر أربعين عاماً كما أعتقل والده، قام أهل القرية بجمع الأموال من بيوت القرية من أجل تعيين محامي، حيث تم اعتماد المحامي فؤاد عبد الله لذلك والذي باشر في جهوده التي كانت نتيجتها إخلاء سبيل الوالد والحكم على الشاب أحمد حسين الخطيب بالاعدام.

على أثر الحكم قام المحامي فؤاد عطالله بجهود بحثية واستقصائية مكثفة لمحاولة إقناع المحكمة بالعدول عن حكمها أو تخفيفه فاستطاع ايجاد شهود من قرية الكابري يشهدون بأن أحمد كان يسكن في بيتهم ولم يسكن البيت الذي وجدت فيه الأسلحة، ثم شهد توفيق الخطيب “عم أحمد” بأنه لم يترك معمل الزيت منذ ثلاث أشهر وبالتالي فهو لم يتواجد في البيت كما شهد مدير مال عكا أن البيت الذي وجدت فيه الاسلحة مسجل باسم الوالد وليس الولد. تراكمت الأدلة التي تشير أن البيت كان خالياً ولم يسكنه أحد ولم يكن بوسع السلطات الانجليزية سوى أن تخفف الحكم، ليكتب لأحمد عمراً جديداً، عمر وراء القضبان.

لا نعرف الكثير عن تجربة السجن، لكن الخطيب أثناء اعتقاله كان قد دوّن حوالي أربعين ورقة من القطع الكبير عام 1938، والتي حُفظت في أدراج العائلة لمدة تزيد عن الثمانين عاماً، مؤخراً أودعت العائلة أوراقه في أرشيف خزائن[1]، لتشكل بذلك مادة غنية حول تجربته، إذ تفصح هذه الأوراق عما كان يعيشه، عن أمنياته وأحلامه، عن قصائده التي يحبها، وعن القصائد التي ألفها حينها. في احدى الرسائل يكتب أحمد حسين الخطيب إلى عمه: “فلا عجب إن كان شوقي لرؤيتك عظيماً لأن كما قيل من كرم الرجل حنينه إلى أوطانه وشوقه إلى أخوانه” ثم يضيف “ولولا الموانع التي تعهدها وكثرة الأبواب المقفلة وشدة الحرس لطرت شوقاً إليك وحرصاً على لقائك والمثول في حضرتك والتمتع بمشاهدتك فأفوز فوزاً عظيماً… فما يفوتني أن أرسل إليك كتاباً ينوب علي ويسأل منك القبول…”

خلال السنين اللاحقة كان أحمد حسين الخطيب يقضي وقته في الأدب والكتابة، وهذه ما نعرفه من خلال مجموعات القصائد الكبيرة التي خطها والتي تعود لشعراء وأدباء عرب، ولا نعرف سر كتابتها، هل لتعليم الأسرى بعض القصائد؟ أم لعدم نسيانها وتوثيقها؟ أم تم نسخها من كتب ما كان متواجدة هناك لكي تكون معه؟

من قصيدة لأبي الفراس الحمداني، بخط احمد حسين الخطيب. مجموعة أحمد الخطيب، محفوظة في أرشيف خزائن

لن يكمل أحمد الخطيب محكوميته، وكما بدأ الاعتقال بمفاجئة، سينتهي أيضاً بمفاجئة، فبعد حوالي سبعة سنوات من اعتقاله، سيتم الافراج عنه وعن عشرات المعتقلين الفلسطينيين الآخرين، كتذكار للانتصار الذي حققه الانجليز في الحرب العالمية الثانية.

هكذا أفرج عن 138 سجين فلسطيني، وقد نشرت جريدة الدفاع في 13 أيار أسماء الدفعة الأولى من المسجونين وهم 99 حيث ظهر إسم أحمد حسين الخطيب بين هذه الأسماء

كيف تكتمل القصة؟

لم نعرف ما الذي حل بأحمد حسين الخطيب على أثر النكبة، لكن تسجيلاً مميزاً وصلنا من الحاج علي طه الخالد (أبو أنور) والذي بلغ عقد التاسع، يفصل فيه سلالة عائلة عائلة الخطيب ويقول: “كان أحمد حسين الخطيب فناناً في كل شيء يكتب الموالد والأناشيد الدينية” كان يجيد كل المهن ويبدع في الصنائع، وكان فناناً أيضاً في “تصليح الأسحلة للثوار” رُحل إلى لبنان في النكبة واستقر في بعلبك ولم يأخذ من فلسطين سوى ابنته أمينة أما باقي أولاده وعائلته فقد بقيوا في فلسطين، تزوجت أمينة في عين الحلوة فيما توفي هو في بعلبك[2]، ويبدو أن وفاته كانت عام 1956.

هكذا تفسر معلومات الحاج أبو أنور الكثير من التفاصيل في قصة أحمد حسين الخطيب، حول المهن المختلفة التي عمل بها، وحول كمية الأسلحة التي وجدت في بيته، والذي رفعه إلى مصافي “الفن” بنظر الكثير من أبناء القرية، فن سيقوده كما الكثيرين في ظل الثورة إلى تصليح أسلحة الثوار وافتتاح ورشته في بيت غير مسكون. وكما الكثيرين من الثوار الذين لا تزال قصتهم إما غير موثقة وإما منقوصة التفاصيل كذلك هي قصة أحمد حسين الخطيب الفنان.


[1] وفرت عائلة خطيب مجموعة مكونة من أربعين ورقة كتبها الراحل أحمد حسين الخطيب في سجن عكا عام 1938، وتم ايداعهم في أرشيف خزائن، الشكر الجزيل للعائلة للسيد أحمد الخطيب ولابنته وفاء الخطيب على المادة وعلى كافة المعلومات اللاحقة.

[2] تم التسجيل مع الحاج علي طه الخالد بتاريخ 18 حزيران 2020، والشكر في ذلك يعود للباحث ياسر أحمد علي الذي أرشدنا للحاج علي، قام بالتسجيل وأرسله لنا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s