محمود زايد يكتب أدباً للأطفال قبل النكبة، ويوثق أعمال الفنان داود زلاطيمو

محمود زايد يكتب أدباً للأطفال قبل النكبة، ويوثق أعمال الفنان داود زلاطيمو

كتب فادي عاصلة

مؤسس ومدير أرشيف خزائن

يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

في عام 1994 توفي بصمت في لبنان المؤرخ الفلسطيني محمود زايد (المولود عام 1923)، والذي برز اسمه في العديد من الجامعات العربية والأجنبية كأكاديمي جدي ورصين، ساهم في إنتاج، تحقيق وترجمة عشرات الكتب والأبحاث بعدة لغات والتي أثْرَت المكتبة العربية وأضافت الكثير لحقل الدراسات التاريخية. لكن احدى المساهمات المهمة التي قدمها زايد – وربما بسبب النكبة لم يتم الالتفات إليها – هي دوره في تطوير وتعزيز حقل أدب الأطفال في فلسطين قبل النكبة وتأليفه لمجموعة مميزة من قصص الأطفال.

يكاد يجمع معظم الباحثين في أدب الأطفال في فلسطين، أن ظهور هذا النوع من الأدب قد جاء بعد النكبة ولم يسبق ذلك سوى محاولات خجولة، تشابه أو تقارب أدب الأطفال لكنها لا تنتمي له، لكن ثلاث كتب مُغبرة وصلت لأيدينا، تحكي قصة مغايرة وتفند الادعاء. الكتب هي محاولات محمود زايد لشق طريقه في حقل أدب الأطفال والذي استطاع في نهاية الأربعينيات تأليف مجموعة من القصص التي نشرتها المكتبة العصرية في يافا.

محمود زايد يكتب أدباً للأطفال:

يقول محمود زايد في مقدمة الكتاب “هذا هو الكتاب الأول من قصص وأساطير للأطفال، التي أتمنى أن يفيد منها الطفل، وأن تسد بعض الفراغ في مكتبته”[1]. فراغ حاول زايد سده من خلال توجهات وأساليب مختلفة، كمستوى اللغة مثلاً والتي تتناسب بحسب الفئة العمرية التي يخاطبها، حيث يمكن تمييز الفوارق في اللغة بين الكتاب الموجه للأطفال والكتاب الموجه للفتيان.


سعى زايد إلى اطلاع الطفل العربي على أساطير اليونان، وذلك من خلال مجموعة قصصية مستوحاة من الثقافة اليونانية، كما سعى لاطلاع الأطفال على الثقافة الرومانية من خلال مجموعة قصصية أخرى حملت عنوان “القصص التاريخية”[2]، ولكن ذلك لم يكن إلا من باب التعلم من ثقافات الغير، وليس اجحافاً بالثقافة العربية، ولذا عكف أيضاً على كتابة قصص من الثقافة العربية. في قصته “العربي في حروبه” يقول زايد: “أيها الطالب العربي الكريم، يسرني أن أقدم لك هذه الصفحات المشرقة من تاريخ قومك الحافل بألوان البطولة… وضعت لك هذا الكتاب بأسلوب قصصي مُشوق، ولغة سهلة قدر المستطاع، فآمل أن تقتدي بأبطال قومك الخالدين، وإن كنت قد قدمت لك شيئاً تفيد منه، فذلك أقل الواجب، والله يهدي إلى سواء السبيل”[3].

داوود زلاطيمو كرسام لأدب الأطفال

شكل داوود زلاطيمو (1906 – 2001) حالة فنية مميزة في الفن التشكيلي الفلسطيني، كما أنه يعتبر حالة وصل مميزة بين أجيال فنية مختلفة، فهو من جهة تلميذ الفنان نيكولا صايغ (1863-1942) والذي يعتبر أول فنان فلسطيني تشكيلي وصلت أعماله إلينا، ومن جهة أخرى أستاذ الفنان اسماعيل شموط (1930 – 2006) وحول ذلك يمدنا الفنانان كمال بلاطة[4]. أو اسماعيل شموط[5] بالكثير من المعلومات.

من المصادفات الجميلة أن محمود زايد على ما يبدو استقدم الفنان داوود زلاطيمو ليرسم له لوحات فنية خاصة بالقصص التي يكتبها، هكذا تظهر العديد من الأعمال موقعة بريشة زلاطيمو وهي بمعظمها أعمال نراها لأول مرة، هكذا تحولت كتب زايد إلى أرشيف ملفت للكثير من أعمال زلاطيمو، ربما لم يقصد زايد ذلك حينها، ولكن الكتب اليوم باتت مرجعاً مهما لأعماله، وقد تكون الصور التي نوردها في هذا المقال من أعمال زلاطيمو التي تنشر لأول مرة.

محمود زايد مؤرخاً:

كانت هذه القصص والأعمال انتاج محمود زايد الشاب حين كان في بدايات طريقه، إذ لم يكن قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره حينها، وكان قد انتقل لتوه ليعيش بين اللد والرملة وموظفاً جديداً في سلك التعليم كأستاذ للتاريخ. يبدو أنه التقى هناك بزميله داوود زلاطيمو والذي كان يكبره حينها بحوالي عشرين عام.

أحب محمود زايد الأدب بشدة (وعلى ذلك تشهد كتاباته في الصحف والمجلات الفلسطينية المختلفة قبل النكبة) كما أحب التاريخ أيضاً، النكبة التي حولته إلى لاجيء – تماماً كحالة الكثير من الفلسطينيين – لم تكسره بقدر ما دفعته نحو المعرفة فالتحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة، ثم بعدها بسنوات التحق بجامعة ييل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على الدكتوراة في التاريخ ليعود في العام 1960 إلى المشرق، كمحاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت وخلال عقود من العمل سيصدر العديد من الكتب والأبحاث الهامة، بعضها في تاريخ العرب والمسلمين، وبعضها في التاريخ العربي المعاصر، والبعض الآخر في تاريخ القضية الفلسطينية[6].

توفي محمود زايد عام 1994، ربما وهو لا يعرف أنه قد ساهم في توثيق أعمال الفنان داوود زلاطيمو، وأنه كان من أوائل من رفدوا أدب الأطفال بأعمال جليلة، أعمال ستحفظ جانباً مهما من الارث الفلسطيني وستظل شاهدة على نهضة ثقافية لم تكتمل.


[1] للاستزادة: الملثم، البدوي (يعقوب العودات). من أعلام الفكر والأدب في فلسطين: احسان عباس – محمود زايد – أنيس صايغ – عمران أبو حجلة. مجلة الأديب، عدد10، أكتوبر 1971. ص 34.

[2] زايد، محمود. القصص التاريخية. المكتبة العصرية، يافا، 1947.

[3] زايد، محمود. القصص التاريخية (3): العربي في حروبة. مكتبة الجزيرة العلمية بالرملة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1947.ص1

[4] bulatta, Kamal. Palestinian Art: From 1850 to the Present. Preface by John Berger. London: Saqi Books, 2008.P63.

[5] شموط، اسماعيل. الفن التشكيلي الفلسطيني. الكويت، 1989. ص48.

[6] زايد، محمود. قصص وأساطير للأطفال: عروس الربيع. المكتبة العصرية، يافا، مطبعة الفرنسيسكان، القدس، 1947. ص1

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s