درويش المقدادي … من أزقة القرية إلى بلاط الأمير

درويش المقدادي… من أزقة القرية إلى بلاط الأمير

كتب: فادي عاصلة

مؤسس ومدير أرشيف خزائن

يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

في 31 من تشرين الثاني 1922 كتب الشاب درويش المقدادي – ابن قرية طيبة المثلث –  مقالاً ملفتاً للنظر في مجلة دار المعلمين تحت عنوان “تدريس التاريخ من الوجهة الاجتماعية” والذي قال فيه أن التاريخ العربي التقليدي قد أغفل البحث في معظم أحوال الأمة الاجتماعية واكتفى بتاريخ الخلفاء والسلطان والقواد دون باقي المجتمع، إن التاريخ من وجهته الاجتماعية بحسب المقدادي هو “طريقة شاملة تبحث عن الأمة من وجهات متعددة فتساعدنا على تفهم روح الأمة وعلى الالمام بمظاهرها الأساسية المتنوعة”[1].

قد تبدو مقالة المقدادي وموضوعها غير مفاجئين، فقد شهدت عشرينيات القرن الماضي نشاطاً مهماً في حقل الكتابة التاريخية الفلسطينية، سواء على مستوى اصدار الكتب أو على مستوى كتابة المقالات التاريخية في الصحف الفلسطينية، كسسلسلة المقالات التاريخية التي نشرها الأديب جميل البحري[2] والتي ظهرت بعدها في كتاب حمل عنوان تاريخ حيفا[3] وكالعديد من المقالات التي ظهرت في ذات الفترة حول رام الله[4]والقدس[5] وغيرها من المدن إضافة لمقالات حول التاريخ العثماني[6].

لكن الملفت في مقالة المقدادي هو – أولاً – أنها أول محاولة فلسطينية – وإن كانت متواضعة – لتأسيس حقل الكتابة في التاريخ الاجتماعي والذي ستبدأ اشاراته الأولى مع المقدادي وستحتاج عشرات السنين حتى تصير حقلاً ناضجاً للعمل والانتاج. وثانياً أن المقدادي كتبها وهو في الثالثة والعشرين من عمره (ولد المقدادي عام 1899) وفي عام 1922 كان قد أنهى لتوه دراسته في جامعة بيروت الأمريكية[7]، كان هذا المقال ربما إشارة إلى التوجهات الثورية والتجديدية التي يحملها صاحب المقال.

نشر المقدادي مقالته في بدايات عمله في كلية دار المعلمين في القدس والتي بقي فيها حتى عام 1925، وهي السنة التي شهدت رحلته الشهيرة مع صديقه وزميله في التدريس نقولا زيادة والتي إنطلقوا فيها مشياً على الأقدام من فلسطين إلى سورية، والجميل في الأمر أن هذه الرحلة قد وثقها زيادة والمقدادي كل بطريقته، فالمقدادي كتب تفصيلاتها التاريخية وحالة المواقع والمدن التي مروا بها، في مقال حمل عنوان “رحلة في سوريا” والذي نشرته مجلة دار المعلمين[8] أما صديقه نقولا زيادة فقد فصل الرحلة بالمواقف والحكايات والنهفات الطريفة، في سيرته الذاتية أيامي وأما الرحلة فقد أعيد طباعتها ضمن كتاب خاص حول رحلات نقولا زيادة[9].

يذكر يعقوب العودات أن المقدادي اضطر لتقديم استقالته من دار المعلمين على خلفية الضغوط البريطانية حيث طالبته السلطات بالغاء فرقة الكشافة خالد بن الواليد وهو ما رفضه المقدادي الذي قال لمدير معارف فلسطين البريطاني: “وهل تلغى كشافة خالد بن الوليد ذلك البطل الذي لم يغلب طيلة حياته؟ لا… لا… لن تلغى ولن تلحق بكشافة بادن باول البريطانية وهذه استقالتي”[10] وبحسب العودات فقد انتقل بعدها المقدادي للتدريس في الكلية الإسلامية.

لم يدم عمل المقدادي طويلاً في الكلية الإسلامية، بحسب المنشورات التي توردها الصحف الفلسطينية لتلك الفترة، فالكلية التي كانت احدى مشروعات المجلس الإسلامي الأعلى  وكان يديرها الدكتور رفيق التميمي، عانت الكثير من الاشكاليات الادارية. ويبدو أن المقدادي قد لمس ذلك فترك عمله عام 1926 وغادرها نحو العراق، في حين أغلقت الكلية أبوابها عام 1927 عللت ذلك بأن الزلزال الذي ضرب فلسطين سيتنزف كافة الموارد.

وصل المقدادي إلى العراق عام 1927، وسرعان ما انخرط في النشاط القومي والثقافي وبرز إسمه كسياسي عروبي مناوئ للاستعمار وكمربٍ قدير صاحب قدرة مدهشة على التأثير على طلابه. في العراق سيؤلف المقدادي كتابه الأول “تاريخ الأمة العربية” عام 1931، وسيلتقي بصديقه ساطع الحصري مُنّظر القومية العربية والذي سيكون لسنين طويلة رفيقه في الهم القومي وفي بث الأفكار الثورية في الشباب العربي، وفي العراق أيضاً سيؤلف مع أكرم زعيتر كتابه الثاني “تاريخنا بأسلوب قصصي”[11] وسيشارك عام 1935 في تأسيس نادى المثنى والذي سيضم بداخله نخبة القوميين العرب وسيساهم في اعداد أجيال من القوميين.

كان طموح المقدادي في الحصول على الدكتوراة في التاريخ، فغادر العراق عام 1936 متوجهاً نحو ألمانيا لكتابة أطروحته هناك، وقد كانت أخباره وانجازاته  محط اهتمام الصحافة الفلسطينية التي كانت تتابعه وتورد كافة الأخبار المتعلقة به. لكن انجازاته في ألمانيا لن تُختتم كما أراد لها، فبسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية اضطر إلى العودة إلى العراق وهناك وجد السجن بانتظاره، بعد تأييده ثورة رشيد الكيلاني وانخراطه في العمل التنظيمي الثوري في داخل كتائب الثورة وقد ذكر أكرم زعيتر في يومياته أن درويش المقدادي كان في مقدمة العاملين في الكتائب والمتصلين بيونس السبعاوي[12] (من قيادة الثورة العربية التي نادت بانفصال العراق عن الاستعمار الانجليزي). حيث كان للمقدادي دور هام وملفت في دفع التيار القومي سواء بالنشاطات السياسية، بالمحاضرات المميزة، أو بالمؤلفات المختلفة في الحقل التربوي[13].

خرج المقدادي من السجن مُثقلاً بالخسائر، توفيت شريكته الأولى نازلي المقدادي، تعثرت طموحاته القومية، طارد الاستعمار رفاقه، وتبددت الكثير من الآمال القومية مع تبدد الثورة . يبدو أن كل ذلك قد دفع المقدادي إلى اتخاذ القرار بالعودة إلى فلسطين والتي سيصلها عام 1945 وكما دوماً فلم تخلو عودته من الشروط والقيود، على مدار ستة عشرة سنة مُنع من الاقامة في فلسطين وسمح له بالزيارة فقط بعد نضالات طويلة، مثلاً: في 23 من عام 1935 منع المقدادي من دخول فلسطين[14] وقد كتب حينها محمد علي الطاهر أن هذه المرة ليست الأولى فقبلها بعام مُنع المقدادي أيضاً من دخول فلسطين وبعد ضجة عارمة سمحت السلطات بدخولها، لكن في أيار من عام 1935 وعند رسو سفينته في ميناء يافا مُنع المقدادي من النزول فأكمل إلى لبنان[15] وبعد ضغوط مجددة سًمح للمقدادي بدخول فلسطين في نهاية أيار من عام 1935[16].

كان أول ما فكر به درويش المقدادي هذه المرة تقديم طلب تجنيس للحصول على الجنسية الفلسطينية، وهو ما يعني الاستقرار في فلسطين والاستراحة بعد سنيّ من الترحال. كان الاستقرار يعني الجنسية ويعني العمل أيضاً، فحظي بوظيفة تليق بمعرفته إذ تم اختياره مديراً للمكتب العربي، وهو بمثابة المؤسسة التي تشكلت بتوصية من الهيئة العربية العليا لايصال الصوت الفلسطيني للرأي العام العالمي وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حيث توزعت مكاتبها بين القدس، واشنطن ولندن، كما قامت بترجمة نشراتها الموجهة للرأي العام العالمي بعدة لغات.

في فلسطين سترعى شقيقة المقدادي أطفاله من شريكته الأولى نازلي المقدادي، وسيعمل في المكتب العربي وفيه سيتعرف إلى شابة فلسطينية هي الأخرى فقدت شريكها مؤخراً، وهي ربيحة الدجاني والتي كان زوجها الأول الموسيقار الفلسطيني “يحيى اللبابيدي” والذي فارق الحياة عام 1941. هكذا سيلتقي درويش المقدادي بربيحة الدجاني في حكاية لطيفة ستتوج بالزواج[17].

سيوازن المقدادي جيداً بين نشاطاته الثقافية الكبيرة وبرنامجه المليء، وبين عائلته والتزاماته اتجاهها، وسيكون زوجاً طيباً وأباً مُلهماً، ينمي الثقافة العروبية لدى أبنائه دون أن يفرض توجهاته، معززاً لديهم الاستقلالية وشغف المعرفة والتعلم، مشاركاً إياهم بعض تفاصيل عمله ليكونوا على دراية بمجريات الأحداث[18]. لكن المقدادي لن يحتاج الجنسية الفلسطينية التي تقدم لطلبها كثيراً، فسوف يمضي بعدها إلى سوريا محاضراً في جامعاتها، ومن بعدها إلى الكويت ولن يعود إلى قريته الطيبة مرة أخرى، وسيتقلد المناصب المختلفة والتي سيكون من بينها مدير لدائرة المعارف في الكويت، وسيكون ذا حظوة لدى العديد من الأمراء والملوك العرب.

حول تجربته في الكويت يقول الباحث طلال الرشود والذي كتب أطروحة الدكتوراة حول النظام التعليمي في الكويت والقومية العربية[19]:” لعب المقدادي دوراً فعالاً في تحديد مسار التعليم في الكويت سواء أثناء توليه لمنصب مدير المعارف أو بعد أن أصبح نائباً للمدير، ساهم في العديد من التطورات التي شهدتها البلد خلال هذه الفترة التي تعد عصراً ذهبياً  للتعليم والثقافة، ومن الأمثلة على ذلك تعديل مناهج التعليم النسوي لتواكب المناهج العامة وتطوير مدارس القرى وتوطيد علاقات دائرة المعارف الكويتية بمختلف المؤسسات التعليمية العربية، إلا أن أهم ما قام به المقدادي هو الدفع باتجاه كسر اعتماد الكويت على المناهج المصرية وتشكيل منهج وطني وفّق بين الهوية الكويتية الخاصة والانتماء العربي الجامع، وقد طُبق هذا المنهج في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة بمنتصف الخمسينات”[20].

توفي المقدادي عام 1961، كان تشييعه في جنازة مهيبة اهتزت لوقعها البلاد العربية، رثته دوائر التربية والتعليم في عشرات العواصم، ونعاه القوميون العرب رفيقا في النضال والحلم، ووصلت أخباره إلى فلسطين والقليل من العجائز تذكروه حينها، دفن المقدادي بعيداً عن البلاد التي أنجبته ليصير رمزاً للنهوض الفلسطيني من أزقة القرية إلى قصر الأمير، ومن كتاب القرية إلى منابر الجامعات الكبرى ونموذجا للنضال المعرفي في اعداد أجيال من الباحثين والمؤسسات التي لا تزال تنتج المعرفة في العالم العربي[21].


[1] יالمقدادي، درويش. “تدريس التاريخ من الوجهة الاجتماعية”. مجلة دار المعلمين، عدد3 السنة الثالثة، 31 تشرين الثاني 1922، ص 54.

[2] البحري، جميل. تاريخ حيفا. مجلة الزهرة، عدد 1-2، أيار 1922، الصفحات 73-80، عدد 4 الصفحات 109-117، عدد 7-8 الصفحات 185-193، عدد 9-10 الصفحتا 225-232، عدد 11 الصفحات 257-268.

[3] البحري، جميل. تاريخ حيفا. المكتبة الوطنية في حيفا، حيفا، 1923.

[4] مقالتين للخوري بولص السمعاني، جريدة مرآة الشرق، 8 و 15 تشرين الأول 1919

[5] مجلة النفائس، عدد 9، السنة الثامنة، أيلول 1921، الصفحات 276-272. عدد 10، السنة الثامنة، تشرين الأول 1921، الصفحات 294-289.

 [6] سلسلة مقالات تحت عنوان “نظرة عامة في تاريخ الدولة العثمانية” مجلة بيت لحم، العدد 3، تشرين الثاني 1920. العدد 4، كانون الأول 1920. العدد 5 كانون الثاني 1921. العدد 6 شباط 1921. العدد 7 آذار 1921.

[7] Alumni DirectoriesDirectory of Alumni, 1870-1952: Compiled by AUB, P142.

[8] المقدادي، درويش. رحلة في سوريا. مجلة دار المعلمين، السنة السادسة، العدد الأول، مطبعة بيت المقدس، القدس. ص39-61.

[9] زيادة، نقولا. حول العالم في 76 عاماً – رحلات مثقف شامي في آسيا وأوروبا والشمال أفريقي. دار السويدي للنشر والتوزيع ، أبو ظبي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت. 2007. ص75-149.

[10] العودان، يعقوب (البدوي الملثم). من أعلام الفكر والأدب في فلسطين: محمد عزة دروز – درويش المقدادي. مجلة الأدب، العدد1، كانون الثاني 1967. بيروت. ص13-14.

[11] المقدادي، درويش. زعيتر، أكرم. تاريخنا بأسلوب قصصي. مكتبة الأندلس بالقدس، 1937.

[12] زعيتر، أكرم. من أجل أمتي – من مذكرات أكرم زعيتر 1939-1946. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994. ص 179.

[13] حول تجربة يمكن مثلاً مراجعة: Foras, Youni. Educating Palestine: Teaching&Learning History under the Mandate. Oxford University Press, Oxford, 2020.

[14] جريدة الدفاع، 13 أيار 1935.

[15] الطاهر، محمد علي. تصرف حكومة فلسطين البريطانية مع ..شاهد فلسطيني. جريدة الجهاد بمصر 14 أيار 1935

[16] جريدة الدفاع، 26 أيار 1935.

[17] المقدادي، ربيحة الدجاني. رحلتي مع الزمن. سنة 2000. ص 334-357.  

[18] مقابلة مع ابنته بروفيسور سلوى المقدادي، أستاذة مشاركة في تاريخ الفن في جامعة نيويورك أبو ظبي، أُجريت المقابلة بتاريخ 21 حزيران 2020.

[19] Al-Rashoud ,Talal. Modern Education and Arab Nationalism in Kuwait, 1911-1961. Thesis submitted for the degree of PhD. Department of History SOAS, University of London, 2016.

[20] بناء على محادثة رقمية، تمت في 16 تموز 2020.

[21] أبو الجبين، خير الدين. قصة حياتي في فلسطين والكويت. دار الشروق، عمان، 2012.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s