أن تبيع ألحانك لكي تعيش… من أسدود إلى بنغازي.. رحلة الموسيقي علي كتوع

أن تبيع ألحانك لكي تعيش…

من أسدود إلى بنغازي.. رحلة الموسيقي علي كتوع

كتب :لؤاب حمود.

موسيقي وعازف عود.

يعد اطروحة الدكتوراه حول مشهد الموسيقى الفنية في فلسطين الانتدابية.

ولد الموسيقي الفلسطيني علي كتوع “أبو السعيد” في قرية أسدود الساحلية التي تقع على البحر المتوسط، في 25 نيسان من عام 1935، وكان أبوه سعيد علي يوسف كتوع قد ولد أيضاً في أسدود عام 1912 وقد أسماه علي تيمناً بجده. وقد عاشت العائلة من مدخول المقهى الذي امتلكوه “قهوة كتوع”[1] والتي كانت على الطريق الرئيسي في البلدة وكانت تقدم فيه الشيشة والقهوة والمشروبات الخفيفة.

تذكر العائلة أن علي وعندما كان في التاسعة من عمره، لم يُقبل في الجوقة المدرسية في القرية رغم أنه لم يسمعوا صوته، فعاد علي الصغير إلى البيت باكيا وخائب الأمل. فعاد أبوه به إلى المدرسة وطلب من أستاذه أن يسمع صوته وبعد ذلك ان يقرر فيما إذا كان هذا الطفل يصلح للجوقة أم لا، بدأ علي بالغناء، وبدأت أمارات الاعجاب تعلو وجه المعلم الذي دُهش من صوته فأعطى عليّ ريادة الجوقة وأن يكون مسؤولاً عنها.

شارك علي والفرقة بعدها في العديد من المناسبات المدرسية، وكان أحد الذين سمعوه يغني هو الموسيقي اليافاوي شفيق الأنصاري  (1915-1982)[2]. والذي قرر أن ينمي موهبة هذا الطفل وأن يصطحبه إلى يافا ليعلمه هناك الغناء والعزف على العود، واتفق على ذلك اليافيّ ووالد الطفل عليَ، وفي يافا غنى علي أول أغنية من تلحين الموسيقي شفيق الأنصاري، وللأسف لا نملك اليوم تسجيلاً لهذه الأغنية المفقودة، تماماً كحالة معظم ما لحنه وغناه الفلسطينيون قبل النكبة. لكن السيد جلال كتوع ولحسن الحظ استطاع تذكر مطلعها:

اه يا طير شوف دمع عيني    وانت مروح  عاوطاني

وان سالوك في بلادنا عَلَي    قولهم مشتاق للقاكم تاني

اه ياطير اه يا طير

أثارت الأغنية هذه أصداء جميلة، وبدأ اسم علي يتردد في الدوائر الموسيقية وخلال أشهر قليلة كان كتوع، وهو في العاشرة من عمره، ضيف الحفلات المُحبب في إذاعتي الشرق الأدنى والقدس كما قدم في أستوديو هاتها مجموعة من الأغاني المميزة والتي لحنها له شفيق الأنصاري، وفي منتصف الأربعينيات وهو لا يزال طفلاً قام علي بتلحين أول أغنية له وهي أغنية “محلاك على الاغصان”[3].

حلت النكبة، ومعها تهجر أهل أسدود، وتهجر علي، ودُمرت قهوة العائلة، واحتلت يافا، وصارت كل هذه الحكايات جزء من ذاكرة طفل سيحملها معه إلى خان يونس في قطاع غزة حيث ستستقر العائلة هناك.

بدأ سعيد كتوع والد علي – بعد النكبة – العمل في كنتين الكتيبة المصرية المتمركزة في خان يونس، وتعرف بالصاغ مصطفى شنن[4] شاب مصريّ ذا أذن موسيقية يعشق أنغام محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وكانت زوجة الصاغ مصطفى مدرسة موسيقى في معهد فؤاد الأول. وشاءت الأقدار أن يذكر سعيد كتوع أمام شنن عن اهتمام ابنه بالموسيقى واجادته الغناء والعزف على العود، فطلب منه الأخير أن يحضر عليّ ليُحيي حفلة للكتيبة المصرية وعندما استمع لصوت الطفل، أخبره بأن على عليّ أن يسافر ليتعلم الموسيقى في مصر وهو ما حصل.

كانت رحلة علي مختلفة هذه المرة عن رحلته إلى يافا قبل سنوات، وصل مصر عام 1949، وقضى فيها ثلاثة أشهر يتعلم الموسيقى في معهد فؤاد الأول لدى زوجة الصاغ (للأسف لم نستطع التوصل لإسم الزوجة)، لم تُجدد اقامة عليّ في مصر، لكن ثلاثة أشهر كانت كافية بأن تصقل شخصيته الموسيقية، عاد عليّ إلى خان يونس ليكمل دراسته وينهي المرحلة الثانوية، ليتوظف بعدها معلماً للموسيقى في مدرسة الشيخ جميل في خان يونس.

كبر علي وصار شاباً،  تزوج بالسيدة ظريفة ابو غليون عام 1955 وهي في الأصل من مواليد بلدة الجورة المهجرة قضاء غزة، وانجب منها طفلين سعيد وسعد الله، ولسعيد قصة ظريفة حول اسمه، فعندما أتت بعثة الحكومة الكويتية لتجنيد المدرسين الفلسطينيين للعمل في الكويت، كان علي احد المرشحين، وعندما سألوه إذا كان متزوجاً وله أولاد فأجابهم بأنه متزوج ولديه طفل إسمه مظلوم، فاستغرب الموظف وسأله عن سبب التسمية ؟ فأجابه علي أسميته بحسب الظروف التي أعيشها[5]، حينها أخبره الموظف: “إحنا آسفين أستاذ علي مش عايزين سياسيين”.

أدرك علي بأن مجرد التفكير في التعبير عن رأيه سيحرمه من السفر للعمل في الدول العربية فقرر أن يغير اسم ابنه إلى سعيد. الأقدار التي خذلت علي في المرة الأولى لن تخذله مجدداً، فقد وصلت في ذات الفترة بعثة ليبية لتجنيد المدرسين الفلسطينيين للعمل في ليبيا، وكان علي أحد هؤلاء المدرسين الذين وقع الاختيار عليهم، فسافر إلى ليبيا سنة 1959 ليبدأ من هناك مرحلة جديدة من حياته، مرحلة الهجرة القاسية، والانجازات الموسيقية الملهمة، وكأن الابداع قرين المنفى وشريكه.

تفتحت ابداعات كتوع في ليبيا، أتقن العزف على العود والكمان والقانون والأكورديون، وتعرف على يوسف العالِم عازف العود في الاذاعة الليبية والذي دعاه للعمل في الاذاعة، لكنه أصطدم باشكالية قانونية، وهي عقد التدريس الذي وقع عليه، وبالتالي فقد كان المخرج القانوني الوحيد هو العمل ولكن دون أن تسجل الألحان بإسمه. خلال سنوات درّس كتوع في العديد من المدارس الليبية، كمدرسة التحرير، ومدرسة شهداء يناير، وصار يبيع بعض من ألحانه لتظهر بأسماء موسيقيين آخرين، وكان اللحن الأول الذي افتتح به نشاطه الموسيقيّ في ليبيا هو لحن أغنية “صهد الغلاء”[6].

كان كتوع قد لحّن بعض الأغاني الوطنية قبل سفره إلى بن غازي، وفي ليبيا وجد الوقت والإمكانيات لتسجيلها، من بين هذه الأغاني نشيد العودة والذي يعبرعن حنين اللاجئ لأرضه التي كان يفلحها ويعتاش منها، فردوسه المفقود، والأمل بالعودة:

نشيد العودة

قصر العالي ساكن في خيام شريد وبعيد

شوقي زاد وبعدي طال ليوم العيد

عيد الفرحة يوم العوده لفلسطين

ارض بلادي ارض جدادي فيها الخير

ازرع فيها واسمع فيها نشيد الطير

ارض بلادنا بتنادينا كل الدنيا حتهنينا

عيد الفرحة يوم العوده لفلسطين

حيفا ويافا لد ورمله ودير ياسين

الها حنرجع حاملين مدفع منتصرين

بدل الخيمه قصر كبير والخير فيها يبقى كثر

عيد الفرحة يوم العوده لفلسطين

لكن علي الذي لحن نشيد العودة لن يعود، كان الوطن الذي أراده مختلفاً عن بقايا وطن صُنع بطريقه سخيفة لكي يوهم الناس بأنهم أحرار، ولكي يكون مساحة لسياسيين يدمرون مقدرات شعبهم ليحظوا ببعض الامتيازات، قال حينها: “أفضل الذهاب للموت عند الناس التي تلبس شورت وطاقية قش”.

غادر علي سلك التعليم وغادر ليبيا عام 1994، واجداً مأواه عند إبنه سعيد الذي كان قد استقر في الولايات المتحدة الأمريكية، هناك عاش علي بصمت، حتى وافته المنية عام 2002، وشيع ببضعة مُشيعين، لم يعرفوا تاريخه العريق، لم يستمعوا لأغانية في إذاعة “هنا القدس” ولا في “إذاعة الشرق الأدنى”، لم يعرفوا ألحانه التي بيعت لكي يعيش، وتغربت وتبعثرت كما الفلسطينيين أنفسهم، دفن علي بصمت لتكون خاتمة الرحلة الطويلة، لحن صامت حزين يحتاج من يصغي إليه ويعيد كتابه إسمه الحقيقيّ عليه ليعيش من جديد.


[1] بنيت المقالة بناءً على مقابلة هاتفية مع السيد جلال كتوع  .28-6-2020

[2] من مواليد مدينة حيفا، التحق بالكلية العربية في القدس وتخرج فيها وعمل مدرسا في مدارس حيفا، بعدها انتقل الى يافا عام 1935 ليؤسس فيها مدرسة ابتدائية وحضانة أطفال، وعندما انتقلت إذاعة الشرق الأدنى الي يافا كان الانصاري مسؤولا ومعدا لبرنامج الأطفال الأسبوعي فيها. يلمعلومات اضافية حوله: قليوبي، طاهرأديب. عائلات وشخصيات من يافا وقضائها. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2006. ص 227-228.

[3] مجلة الإذاعة الليبية .1-12-1968 أيضا لم نجد لهذه الاغنية أي تسجيل فحالها كحال باقي الاعمال المفقودة منذ النكبة.

[4] الصاغ هي رتبة رائد في الجيش.

[5]  مقابلة هاتفية مع السيد جلال كتوع  .28-6-2020

[6] مجلة الاذاعه الليبيه 1-12-1968

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s