الإذاعة الفلسطينية… هنا القدس … حين استشهد مهندس الصوت الأول

الإذاعة الفلسطينية… هنا القدس …

حين استشهد مهندس الصوت الأول

كتب: فادي عاصلة

مؤسس ومدير أرشيف خزائن

يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

كان ذلك في 2 آب من عام 1939 الساعة 17:20 مساءً، حين هزت ثلاث قنابل مقر الإذاعة الفلسطينية في القدس، أصيب حينها جراء الانفجار ثلاثة جرحى من موظفي الاذاعة، تناقل الفلسطينيون أخبار الانفجار واختلطت المعلومات حتى تبين في النهاية أن أحد الجرحى هو الشاب أديب منصور إبن مدينة القدس وهو أول مهندس صوت فلسطيني في الاذاعة الفلسطينية، إضافة للشابة اليهودية ماي فيسنبرغ مقدمة برامج الأطفال، والسيد جبرائيل ديمتروبوليس.

تبين مع التحقيقات أن القنبلة الأولى كانت قد وضعت في غرفة التحكم حيث جلست فيسنبرغ، ولما انفجرت وأصابتها، هرع منصور لنجدتها ونقلها إلى مكان آمن، ثم عاد ليتأكد من عدم وجود جرحى اضافيين، فانفجرت به القنبلة الثانية وهو في بهو الاذاعة، في حين أصابت القنبلة الثالثة ديمتروبوليس بشكل طفيف.

 نُقل منصور وفيسنبرغ للمستشفى الحكومي في القدس، لم تُجدِ كل المحاولات لانقاذهما، وفي اليوم التالي، في الثالث من آب عام 1939 أعلن البلاغ الرسمي أن المهندس العربي أديب منصور ومذيعة الأطفال اليهودية ماي فيسنبرغ قد فارقا الحياة.

أشارت الصحف العبرية حينها لبطولة منصور، وأظهر تحقيق البوليس الإنجليزي أن القنابل وضعت على يد أحد أفراد عصابة “الإتسل” وهو تسفانيا مائير، والذي كان قاصراً في السادسة عشر من عمره، انضم للعمل في الاذاعة كتقني قبل فترة قصيرة من فعلته، وعلى ما يبدو فقد كان ذلك تمويهاً لاقتراف الجريمة، أعتُقل مائير إدارياً وأفرج عنه بعد بضعة أشهر لعدم وجود أدلة كافية[1].

لم تكن خسارة أديب سهلة، لا على والده جريس منصور الذي استثمر كل شيء من أجل تعليمه في جامعات ألمانيا، ولا على رفاقه الذين عرفوه طيب القلب، ظريف الحس، بشوش المحيا، ولا على الفلسطينيين الذين خسروا كفاءة فلسطينية مميزة في حقل العمل الاعلامي.

وقف أصدقاء الشهيد أديب منصور وزملائه ومن عرفوه في حفل تأبين مؤثر في 13 أيلول من عام 1939 وقد ذكرت جريدة فلسطين أن القاعة غصت بالحضور، وأن الموسيقي الفلسطيني الشهير سلفادورعرنيطة (1914-1985) قدم معزوفات موسيقية لأجله، كما ألقى الشاعر ابراهيم طوقان – والذي كان زميلاً لأديب وصديقاً له –  قصيدة رثاء قال فيها:

منصور الذي ولد عام 1905، تعلم الهندسة الكهربائية في إحدى جامعات برلين، وعاد للعمل في القدس، نشط في جمعية الشبان المسيحيين، وعمل في مشاريع خاصة لفترة قصيرة، قبل أن ينضم لطاقم الإذاعة الفلسطينية مهندساً للصوت، وظيفة منحته تميزاً وفرادة، كفلسطيني ينخرط في حقل لا يزال جديداً على الفلسطينيين، لكن استشهاد منصور جاء سريعاً قبل أن يبلغ الرابعة والثلاثين[2] من عمره، وقبل أن يحقق مشروعاته التي حلم بها، وقبل أن يهنأ بالزواج من خطيبته الألمانية ليديا.

لم يكن استشهاد أديب أول فاجعة تشهدها العائلة ولا آخرها، كان لوالده جريس منصور خمسة أولاد وابنتين، يوسف، بديع، نجيب، أديب وأنيس، كريمة وليديا. أما يوسف فقد جنده العثمانيون في الحرب العالمية الأولى، ولم يعرف ذويه شيئاً عنه سوى أنه قد استشهد، دون أن يعرفوا متى كان ذلك وأين وعلى أي جبهة، دون جثمان أو ضريح. وسيكون استشهاد أديب الفاجعة الثانية التي تعيشها العائلة.

صبر جريس منصور على كلتا الفاجعتين، لكن وفاة ابنه الثالث أنيس جراء مرض السرطان عام 1950 كانت ثالث فاجعة يعيشها، لكن لن يستطيع تحملها هذه المرة. سيتوقف قلب جريس منصورعن العمل وسيفارق الحياة وهو محزون ومفجوع بأولاده الثلاث، دون أن يتسنى له أن يرى أحفاده يكبرون، ودون أن يعرف أن حفيده ابن الثلاث سنوات وهو ابن أنيس منصور، سينتصر من خلال أعماله على الموت وعلى الاحتلال وسيحفر اسم العائلة وسيخلد صورة جده، وسيحفر مركبات الهوية الفلسطينية عميقاً ليوصلها إلى مصافي العالمية.

في هذه العائلة سيولد سليمان أنيس منصور عام 1947، عم شهيد في الحقبة العثمانية إسمه يوسف، وعم شهيد في الحقبة الانتدابية إسمه أديب ، وأب سيفارق الحياة وهو في الثالثة من عمره، وجد سيلتحق بابنه من شدة الحزن، ووطن سيحتل بعدها بعام فقط، بين الهم الشخصي والهم الوطني سيبدأ منصور الفتى، بخط لوحاته الأولى والتي ستكون مزيجاً بين الهموم كلها.

ستظهر لوحة سليمان منصور حول جده عام 1965، وستظهر لوحات أخرى حول الأم التي تتحمل دوماً عبأ الخسارات كلها، لوحات جميلة ومميزة ستبدأ شيئاً فشيئاً باثارة اهتمام النقاد ومختصي الفن حول العالم. وستكون لوحته الشهيرة “جمل المحامل” التي ستظهر إلى النور عام 1973 التعبير الأكثر واقعية في حينه عن حالته، عن حالة الشعب الفلسطيني وعن الواقع المُتعب والمثقل بالحكايات والخسارات والهزائم، وهو يحمل القدس بصورتها الأجمل بعيداً عن أدران الواقع.

اللوحة الأيقونية ستكون مقدمة لأعمال عظيمة، أعمال تعزز، توثق وتقدم مركبات الهوية الفلسطينية، أحياناً تستوحي الرموز من الواقع، وأحياناً تصنعها، لتصير ريشة منصور أرشيفاً للنضال الفلسطيني اليومي، تعبر عن همومه، عن أحلامه وآماله، عن حزنه وانكساراته، وأيضاً عن مكامن الابداع والجمال والحب والفرح فيه. ستجوب أعمال منصور كبرى الصالات العالمية، وسيصير موضوعاً في الإعلام العالمي تتداوله كبريات الصحف والمجلات العربية والغربية، وستصير الرموز الفلسطينية حاضرة بفضل لوحات منصور، تبرز فيها الأم، ويبرز الشهيد، والإنسان الفلسطيني والكوفية والثوب وشجرة الزيتون وحمامة السلام، وسيعتبر سليمان منصور أحد أهم رواد الفن الفلسطيني على مستوى العالم منذ السبعينيات.

هل كان سليمان منصور بذلك ينتصر لكل تلك الخسارات العميقة والموغلة في التاريخ؟ يجيب مبتسماً: “أحب جمل المحامل ليس لمركباتها الفنية، فهي بداية المسيرة، وربما ثمة أعمال أكثر تميزاً بالنسبة لي، ولكني أحبها لأنها حملتني إلى مصافي الشهرة وتحولت إلى أيقونة، وربما ثمة غيرة في داخلي منها”[3].

حول الشهيد أديب منصور، يقول: “لا شك أن رمز الشهيد يتكرر في أعمالي، هل لذلك علاقة بقصتي الشخصية؟ لا أظن ذلك، نحن ولدنا في بلد يقدم الشهداء كل يوم، الشهادة هنا جزء من الوعي الفلسطيني، الشهيد الذي في أعمالي هو الشهيد الفلسطيني، وليس عمي، عمي حظي بالتخليد لأنه ربما تواجد في الإذاعة الفلسطينية وربما لأنه قدم فعلاً إنسانياً مُشرفاً دفع حياته ثمناً له، وبالتالي فقد حظى بالاحتفاء والتخليد، وربما زمالة إبراهيم طوقان أضافت لقصته نهاية جميلة. عشرات الشهداء يسقطون كل يوم ولا أحد يذكرهم، ولا أحد يخلدهم، ولا أحد يرثيهم، اللوحة التي أرسمها هي تعبير عن كل إنسان وليس عني الشخصي أو عن عائلتي، وإن كان في بعض المواضِع بُعدٌ شخصي، ولكن للأمانة والصدق، حين رسمت الشهيد لم يكن عمي حاضراً في ذهني”[4].

لم ير منصور عمه الشهيد، ولا يذكر والده أو جده، لا يذكر سوى أمه التي سهرت وتعبت لكي تعيل أطفالها بعد وفاة والدهم، لكن الأب المعطاء والجد المنكوب والشاب الشهيد والمرأة الجميلة القوية كل هذه الشخوص التي عاشت في عالم سليمان منصور الفتى، وفي عالم منصور الشاب، ستظهر في أعماله الفنية، ستولد مراراً، ستغير أشكالها، ألوانها أماكنها، وستبقى حاضرة بقوة وجزءاً محورياً في عالم الفنان سليمان منصور.

 رسم منصور جده، وفي بعض الأعمال رسم والدته، ولكنه لم يرسم الوالد المتوفى، ولا العم الشهيد في أي لوحة، ربما ظهروا استعارياً؟ ربما هم أنفسهم يظهرون في كل عمل، يطلون من كل لوحة دون أن نراهم، وربما في عمل ما، وفي لوحة لم ننتبه لها، يطل علينا أديب منصور، وبصوت اعتاده مستمعي الاذاعة في الثلاثينيات ليقول لنا كما كان يقول دوماً “الاذاعة الفلسطينية … هنا القدس…”.

أديب منصور الذي دفع حياته ثمناً لكي يوصل الصوت الفلسطيني إلى البيوت الفلسطينية، سيكون مسروراً حين يعرف أن مسيرته ستكتمل، وأن ابن أخيه، سواء أراد ذلك أم لم يرد، يكمل رسالته ويوصل الصوت، والفرح والحلم الفلسطيني إلى كل بيت حول العالم.

ملاحظة: نشكر في خزائن الفنان سليمان منصور، على منحنا مجموعة من الصور المميزة التي توثق الشهيد أديب منصور، كما ونشكره على المعلومات التي وفرها لنا، والجهد والوقت في توثيق القصة.


[1] مقالة في موقع “جمعية تخليد أرث مقاتلي الليحي”، تم آخر زيارة للموقع بتاريخ 22 تموز 2020: https://lehi.org.il/?p=2431

[2] تم احتساب العمر بحسب الخبر الوارد في جريدة فلسطين، 4 آب 1939، الصفحة السادسة.

[3] مقابلة مع الفنان سليمان منصور، في بيته في بيت حنينا – القدس. بتاريخ 25 تموز 2020.

[4] مقابلة مع الفنان سليمان منصور، في بيته في بيت حنينا – القدس. بتاريخ 25 تموز 2020.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s