عن حسنة وزهرة… وحكايات من الحب والثورة في الجليل

 عن حسنة وزهرة… وحكايات من الحب والثورة في الجليل

كتب: فادي عاصلة*

حسنة المروحين ومحمد حسن بكري:

في بداية فترة الإنتداب أحب الشاب محمد حسن بكري فتاة بدوية جميلة من لبنان اسمها حسنة  المروحين، حكاية لم ترق لحالة العائلة الاجتماعية في قرية البعنة شمال فلسطين، أصر محمد على الزواج من حسنة ومضيا معاً إلى مدينة عكا بعيداً عن ألسن الجيران وأبناء القرية وعن أعين الأقارب، في عكا اتفق محمد مع عائلة السالم على ضمان أرضهم، وصار يفلحها لهم مقابل تقاسم الغلال، كما قام بتربية الأغنام والماعز، وبدأت الأرض تنتج الكثير. تقول زهرة بكري كان يورد إلى حسبة عكا للبيع كل يوم حوالي 30 سحارة بندورة، 7 سحارات صبر ومثلها تيناً[1].

في عكا أنجب محمد طفله الأول حسن عام 1924، وعاش معه ومع زوجته حسنة في بيت هاديء وجميل، وإلى عكا انتقل علي شقيق محمد حسن بكري، بعد أن توفيت زوجة الأخير، فسكن هو الآخر مدينة عكا. وفي عكا كبر حسن وترعرع، ولما بلغ العشرين تزوج من إبنة عمه زهرة بكري ابن علي بكري بحدود عام 1945، أقيم العرس في بستان النخيل التابع لعائلة الشوباش بجانب بهجة عكا وشارك فيه معظم أهالي عكا لما كان لمحمد حسن بكري من شعبية وتقدير بين أهالي المدينة.

 هكذا شعر محمد أنه قد استقر، فقد أمّن مستقبل ابنه، كما أمّن مستقبل عائلته، كان حب محمد لعائلته كبيراً، لكن حبه لعكا المدينة التي عشقها حد الجنون لا يقل عن ذلك. هكذا عندما بدأت شرارة المعارك في أيار من عام 1948 بدأ محمد في البحث عن السلاح، يذكر الكثير من أهالي قرية البعنة محمد وهو يحاول اصابة مركبة عسكرية صهيونية بثمار شجرة الزنزلخت، يومها قالوا له:

– يا محمد لديهم الرصاص والمدافع والمدرعات، كيف ستؤذيهم بثمار الزنزلخت التي تحملها؟

انتبه محمد لملاحظات أصدقائه، كان فلاحاً بسيطاً وعفوياً، لم يعتد التفكير في تفاصيل المعارك والحروب، لكنه عرف أن ثمة أسلحة وطرائق أخرى للمواجهة، فاستثمر الكثير من أمواله، وأمضى الكثير من ساعات يومه في التعلم على حمل السلاح والتصويب، ومراقبة المركبات العسكرية الصهيونية، وفي أيار حينما نشبت المعارك، وبدأ زحف القوات الصهيونية، هرع محمد حسن بكري إلى قريتي البعنة ودير الأسد، مستحثاً الناس وداعياً إياهم للقتال. يومها صار جيرانه يقولون له: “والله يا أبو حسن، لن يموت في موقعة فلسطين غيرك”.

أيام قرن الخروب[2]:

مضى محمد حسن بكري من بيت عائلته في البعنة إلى عكا، كان الطقس ربيعياً، والتاريخ يوافق 12 من أيار عام 1948، التقى بعض أقاربه وهو خارج من قرية البعنة، سألوه عن وجهته فقال: “رايح أدافع عن هالوطن” مضى مشياً على الأقدام نحو عكا، التقى بثوار آخرين على مداخل المدينة، من بينهم صالح الدوخي من نحف، وأحمد شكري مناع من مجد الكروم، وجدعون من قرية الجديدة،  تمترس الشبان على سور عكا، اشتد القصف وتبادل النيران، دوت أصوات الثائرين في كل مكان، نفذت ذخيرتهم، فقصفتهم طائرة، وانجلى الدخان عن مجموعة من الشهداء لم يتبينوا أفرادها، وقد أكد العديد من عجائز عكا الذين لا يزالون على قيد الحياة، أنهم قد رأوا أكواماً مهولة من الرصاص بجانب جثثهم.

مر من هناك رجل عمل في مقبرة عكا لسنين، وهو عمر الملك أبو صلاح  (المُلقب بالمملوك)، والذي حمل الجثث ونقلها إلى مقبرة الشهداء في عكا ودفنهم هناك معاً.

دوى خبر استشهاد الشباب في عكا وأنحاء من الجليل، كان سقوط عكا كالصاعقة، لم تصدق حسنة أن زوجها أبو حسن لم يعد إلى البيت، خرجت مهرولة نحو مقبرة الشهداء، ولحق بها بعض أصدقاء العائلة، التقت بأبو صلاح والذي اختزل كل شيء ببضع كلمات: “الله يعوضنا بسلامتكم … أبو حسن استشهد”، ركضت حسنة نحو مكان الدفن، تناولت معولاً وبدأت تحفر في أرض المقبرة الرملية وحين رأت جثته تعرفت عليه من “القمباز” و”الحطة” التي كان يعتمرها، بكت عليه بحرقه، حملت جثته إلى زاوية أخرى من المقبرة بجانب قبور شهداء ثورة البراق “محمد جمجوم” و”فؤاد حجازي” و “عطا الزير” هناك وقفت بصلابة، حفرت قبراً لزوجها محمد ووضعت شاهداً يشير إلى اسمه وعادت إلى بيتها.

كان استشهاد محمد حسن بكري وسقوط عكا بداية لأيام “قرون الخروب”، يومها صارت حسنة المروحين محرك البيت، خرجت من عكا ومعها ابنها حسن وزوجته زهرة نحو البعنة، كانت المشاهد قاسية في الطريق، آثار الحرب والدمار، رائحة البارود وشظايا الحديد وحجارة البيوت المتناثرة في كل مكان. حاولت حسنة أن تبني واقعاً جديداً لأولادها في البعنة، لكن الحرب لم تتركهم، في نهاية أيار من عام 1948 قامت القوات الصهيونية بتجميع أهالي قريتي البعنة ودير الأسد في أراضي الزيتون بين القريتين، بجانب مسجد الشيخ محمد الأسد، نادى بعض أفراد الوحدة الصهيونية على بضعة شبان وطلبوا منهم الوقوف وهم علي محمد العابد (ابن أبو عبد الله العابد، وكان عمره حوالي 17)، وحنا إلياس فرهود (25 سنة) وكليهما من البعنة، ثم أشاروا لإثنين آخرين هما علي أحمد عبد الله علي صنع الله (27 عاماً) وصبحي محمود ذباح (23 عاماً)، أمروا الشباب بحمل “جالونات” المياه الفارغة، وقالوا لهم ستأتون معنا لجلب الماء لأهلكم، ولما صاروا خلفة تلة صغيرة وبعيداً عن مرأى العين أطلقوا النار عليهم وهم عطشى.

تقول زهرة بكري لا زلت أذكر المشهد، ولا زلت أستطيع تذكر دوي طلق النار حين قتلوهم. بعد إعدامهم جمعوا بعض أهالي القرية ولا نعرف أين تم أخذهم وكان من بينهم حسن، في حين أمرونا نحن بالتوجه شمالاً وقالوا لنا: “إلى لبنان”. عندها تضيف زهرة: “حملت صرة ملابس، وما استطعت حمله من حاجيات كالعدس والخبز والشعير، اضافة للأغطية وملابس العرس الغالية عليّ، وابني محمد الصغير الذي حملته على خاصرتي ومشيت بكل هذه الحمولة حتى لبنان. كانت جدتي عجوزاً لم تستطع المشي، فوضعت بساطاً على الأرض تحت شجرة زيتون، وبقيت هناك ولم تخرج معنا إلى لبنان. كما أذكر أن بعض النساء توفي أطفالهن أثناء التنقل، فتم نقل بعض الأطفال على حمير إلى الجامع حيث حفرت لهم القبور في الجوار، أما نحن فأكملنا، استرحنا ونمنا بين الأشجار ثم أكملنا المشي حتى وصلنا لبنان”.

تركت عائلة بكري وراءها كل أحلامها، ذكرياتها وقصص الحب والأمل، وتركت قبر محمد حسن بكري في عكا، وانتقلوا لبيت عائلة حسنة المروحين في لبنان ثم أكملوا نحو صور حيث مخيمات اللاجئين، لتبدأ حياة عصيبة، مليئة بالقهر والذل والذكريات، كانت حسنة حزينة على إبنها حسن الذي ظل في فلسطين، لكنه راضية بأنها استطاعت أن تنقذ أولادها.

العودة إلى فلسطين: حسن وزهرة

تقول زهرة بكري كانت الحياة في المخيم حياة ذل وقهر “هناك عرف أبي بعض أصدقائه القدامى، حيث أكرموه مثل أبو محمد ضيف الله الروسان وكان ضابطاً في جيش الإنقاذ وكان يعرف أعمامي الذين انخرطوا في السلك العسكري معاً منذ فترة الإنتداب، لكننا لم نطق الاكرام هذا، لم نتحمل عطف الآخرين علينا، فقررنا أن نعود إلى بلدنا، حتى ولو متنا في الطريق، بعد أربعين يوماً من اللجوء عدنا ووصلنا إلى قرية البعنة، إدعى والدي أمام الحاكم العسكري أننا كنا نعيش بين أشجار الزيتون طيلة الفترة الماضية، وهكذا تم تسجيلنا في سجل السكان”[3].

إلتقى حسن وزهرة في الجليل، كان لقاءاً مؤجلاً منذ أسابيع، وبداية لحياة نضالية صاخبة، حسن لم يكن يحمل ثأر أبيه فقط، كان يحمل ثأر الفلاحين والفقراء، ثأر اللاجئين والمنفيين والمُبعدين، ثأر عشرات الشباب الذين أُعدموا بدم بارد وهم يحاولون العودة إلى فلسطين. كان حسن شخصاً استثنائياً استطاع منذ الأسابيع الأولى للنكبة أن يتحول إلى قائد حقيقي يحمل هموم الناس ويناضل من أجلهم، انخرط في صفوف الحزب الشيوعي، قاوم الحكم العسكري، دافع عن أراضي الفلاحين، قاتل من أجل إلغاء الضرائب المفروضة على الفقراء، وخلال سنوات قليلة برز إسمه كأحد أشد المدافعين عن حقوق الفلاحين، سيكتب المقالات النارية في جريدة الاتحاد، سيهاجم رجال الشاباك، والمُحتلين والمنتفعين والمستغلين، وسيقف في حربه مع الإنسان البسيط.

زهرة تغطي قبر حسن:

طيلة كل سنيه النضالية، كانت زهرة شريكة في النضال، وداعمة لكل توجهاته، كانت الكثير من المظاهرات تخرج من بيتها، والكثير من الاعتقالات والمداهمات تحصل في بيتها، والكثير من الاجتماعات التنظيمية كانت تعمل هي على تيسيرها، كانت زهرة مناضلة من خلف الكواليس، ساهمت في تسهيل خروج عشرات الاحتجاجات والمظاهرات، وربت بناتها وأبنائها على ذات الخطى.

في مطلع شباط من عام 1968 توقف قلب حسن بكري فجأة عن العمل، نُقل إلى المستشفى حيث اضطر الأطباء إلى اعلان وفاته، وفاة كان وقعها كالصاعقة على سكان الجليل قاطبة، وعلى قلب زهرة التي لم تصدق وفاته، تقول زهرة كانت وفاته “كسرة للقب والظهر”. شارك الآلاف من سكان الجليل في تشييعه، نعاه إميل حبيبي ورثاه الشيخ ياسين البكري، وصاغ له الشاعر توفيق زياد عبارة مؤثرة خُطت على ضريحه.

في أحد أيام شباط الماطرة، ولم يكن قد مضى على وفاة حسن بكري سوى أيام قليلة، هرعت العائلة كلها في إثر زهرة، التي خرجت في منتصف الليل باكية تحت المطر وهي تحمل بطانية، لم يعرف أحد في البداية أين وجهتها، ثم تبين أنها ماضية نحو المقبرة، ولما وصل إليها الأقارب وجدوها تحمل البطانية وتحاول أن تشرح لهم: “سأغطي قبر حسن كي لا يبرد”.

توفي حسن بكري، ومن قبله أبيه، لكن ذكراهم ستظل حاضرة، من أطفالهم وأحفادهم سيولد العديد من الفنانين والمربين والسياسيين، لا يزال حضورهم حتى اليوم في الجليل، ولا تزال زهرة بكري بعد اثنين وخمسين عاماً من وفاة زوجها، وبعد تسعين عاماً من البقاء في بيتها ، تروي القصة لأحفادها وتعلمهم كيف يكون الصبر والنضال، وكيف يكون الحب، ولا تزال خطاها تزرع الحب في الجليل، وتظل كلمات الشاعر الراحل توفيق زياد والتي كتبها في رثاء حسن بكري وخُطت على قبره، شاهدة على هذه الحكايات كلها.

—————————————————–

*فادي عاصلة: مؤسس ومدير أرشيف خزائن. يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين .

شكر خاص: لم يكن هذا المقال ليكتب، لولا الجدة العزيزة زهرة بكري والتي أعطت من جهدها النفسي والذهني الكثير لكي تمدنا بكل المعلومات، كما نشكر أبناءها مازن ورفيق بكري، اضافة لوطن بكري وأبيه على منحنا ألبومات العائلة.

نشكر أيضاً السيد أحمد بكري (أبو منير) الذي ساعدنا بترتيب المقابلة وزودنا بالكثير من التفاصيل والمعلومات، اضافة لابنتيه منار ومروة بكري على توثيق المقابلة وعلى تسهيل اتاحة أرشيفات العائلة

ملاحظة أخيرة: قبل سنوات أنتج المخرج محمد بكري فيلماً غاية في الأهمية اسمه “زهرة” كان هذا الفيلم هو أول عمل يخرج قصة زهرة بكري إلى النور، للفنان محمد بكري شكر خاص على هذا العمل الذي سيظل مرجعاً هاماً للأجيال

لمشاهد فيلم زهرة:


[1] مقابلة مع السيدة زهرة بكري (مواليد 1930)، أجريت المقابلة بتاريخ 18 تموز 2020، في بيتها في قرية البعنة في الجليل (قضاء عكا).

[2] مثل يستخدمه أهالي الجليل للدلالة على الأيام السوداء الحالكة.

[3] مقابلة مع السيدة زهرة بكري (مواليد 1930)، أجريت المقابلة بتاريخ 18 تموز 2020، في بيتها في قرية البعنة في الجليل (قضاء عكا).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s