رسائل من العالم إلى القدس … أوراق موسى يونس الحسيني

رسائل من العالم إلى القدس…

أوراق موسى يونس الحسيني

كتب: فادي عاصلة

مؤسس ومدير أرشيف خزائن

يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

في 25 تموز من عام 1938 أرسل الشاب موسى يونس الحسيني من القدس (وكان في الثالثة والعشرين من عمره) رسالة إلى أستاذه الدكتور حبيب أمين كوراني رئيس قسم التربية في الجامعة الأمريكية في بيروت، يسأله عن امكانية ايجاد عمل له سواء في بيروت أو في العراق. يروي الحسيني في رسالته سوء حاله بعد أن قامت سلطات الانتداب باغلاق جريدة “الوكالة العربية للأخبار” التي يحررها لمدة ستة أشهر، وقد سبق ذلك أن منعت من الصدور مرتين كل مرة لمدة ثلاث أشهر.

لا توفر رسالة الحسيني توضيحاً حول أسباب القرار الذي اتخذته السلطات الانتدابية، لكن قصاصات الورق المتبقية بين أوراق الحسيني تشير إلى مدى اطلاعه على أخبار الثوار في ميادين القتال، وإلى تواصل وعلاقات ممتدة مع الكثير من المجموعات الفلسطينية المقاومة، خاصة في القرى الفلسطينية، ما يفسر درايته العميقة  بتفاصيل الثورة الفلسطينية.

لقد كانت خسارة الحسيني واغلاق وكالته كبيرة، فقد ترك عمله سابقاً كمدقق للحسابات في مكتب فؤاد سابا من أجل تحقيق حلمه الصحفي، ولما تحقق له ذلك، فرضت السلطات عليه قرارها بمنعه من اصدار الجريدة أكثر من مرة، وهو ما شكل حالة الغضب هذه ومحاولته ترك البلاد.

رغبة موسى يونس الحسيني في الرحيل لن تتحقق، على الأقل في هذه المرحلة، إذ لم يوفق في ايجاد عمل، وقد اضطر حينها إلى العمل أو إلى تأسيس عدة شركات مشروعات تجارية، كشركة المنشورات العربية وشركة التجارة المتحدة وغيرها.

في شباط من عام 1940 نشرت الصحف خبر تعيين مدير جديد لسينما الحمراء في يافا، كان المدير الجديد هو موسى يونس الحسيني الذي لم يكن قد بلغ عامه الخامس والعشرين بعد، كانت هذا التعيين أول تجربة ادارية يكون فيها الحسيني صانع الرؤية وصاحب القرار ، لذلك سيحاول من خلال وظيفته تحقيق كافة طموحاته السابقة وكافة توجهاته الاقتصادية والادارية التي نماها وشكلها مع السنين. خلال أيام وجيزة قام الحسيني بتغيير الهيكلية الادارية للسينما، وتغيير طرق احتساب الأسهم وتوزيعها، وخلال أشهر قليلة من توليه المنصب، كانت سينما الحمراء قد بدأت تدر أرباحاً كثيرة لم يتخيلها أحد، وقد تنبأت جريدة الصراط في عددها الصادر بتاريخ 20 تشرين الثاني 1940 بأن يزداد الربح وأن يتضاعف اقبال الناس.

كان توقع الجريدة في محله، حيث ازدادت أرباح الشركة وأعداد رواد السينما، وهو ما سيحفز موسى يونس الحسيني على تطوير مضامين السينما فعمل على استقدام خيرة الفرق الفنية العربية، وعلى اختيار أرقى الأفلام وأكثر العروض إفادة ورقياً. إن وثائق موسى يونس الحسيني والمحفوظة في أرشيف خزائن توضح كم الصعوبات التقنية المترتبة على نشاطات كهذه، وكم المراسلات والجهود التي بُذلك في سبيل نشاطات كهذه.

احدى القصص التي تظهرها الوثائق مثلاً أن جريدة الدفاع نشرت اعلاناً لسينما الحمراء في 17 حزيران 1942 حول وصول فيلم “ممنوع الحب” لمحمد عبد الوهاب، ويبدو أن عنوان الفيلم لم يكن قد تم اعتماده فأعلن الموسيقار محمد عبد الوهاب عن جائزة لمن يقترح عنواناً مناسباً للفيلم بدلاً من العنوان الحالي، نُشر دعوة عبد الوهاب في جريدة الدفاع وطُلب من القراء ارسال اقتراحاتهم لادارة سينما الحمراء في يافا. وصلت الكثير من الاقتراحات (بعضها محفوظ في أوراق موسى يونس الحسيني، ارشيف خزائن) من قراء فلسطينيين.

 بعد أيام أرسل محمد عبد الوهاب رسالة إلى سينما الحمراء يطلب منها اعتماد عنوان “الحب ممنوع” بدلاً من العنوان الأول.

شكّل تغيير عنوان الفيلم خسارة جزئية لسينما الحمراء، فقد كانت الاعلانات والتذاكر قد طُبعت، والكثير من الملصقات قد وُزعت، مما حدا بالسينما إلى وقف التوزيع، وطباعة إعلانات جديدة.

تحوي الوثائق أيضاً العديد من المراسلات مع شخصيات فنية وثقافية في مصر كالفنان يوسف وهبي، وشاعر القطرين خليل مطران، وغيرهم، والتي توضح مدى نشاط سينما الحمراء، ومدى البيروقراطية التي اتخذتها السلطات.

كانت سينما الحمراء من المراحل الجميلة في حياة الحسيني والتي شهدت بداياته، وكان في ادارة السينما ابن عمه محمد يونس الحسيني، والذي سينقل الفكرة ذاتها، “فكرة سينما الحمراء إلى القدس، حيث ستقوم هناك “سينما الحمراء” بعد النكبة، وستقام على أرض محمد يونس الحسيني، في حين سيغادر الحسيني إلى بيروت، باحثاً عن مساحة جديدة، كان الحسيني  في أسفاره وتنقلاته مثل كفاءة تفتش عن مستقر يلبي طموحها، وعن مساحة يستطيع إيجاد نفسه.

على أعتاب العقد الرابع من عمره اتجه الحسيني نحو البحوث العلمية والجامعات، فأكمل دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت في علم الاقتصاد، وكتب رسالة الماجستير حول “النظرية والسياسة المالية الحديثة”، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث كتب أطروحة الدكتوراة هناك حول “أرباح الشركات ورأس المال في المشاريع التجارية خلال السنوات العشر بعد الحرب”.

خلال سنوات قليلة صار الحسيني رئيساً لفرع العلوم الاجتماعية في كلية ألما في ميشغان وعضواً استشارياً في العديد من الحلقات ودوائر التدريس في الولايات المتحدة الأمريكية وفي جامعات عربية أخرى.

لم يكن موسى هاشم الحسيني وحده خارج فلسطين، فمع النكبة سيرحل عن القدس معظم أخوته وأخواته، فشقيقه جمال سيعمل كرئيس قسم المحاسبة في وزارة الأشغال العامة في الكويت، أما أنور، شقيقه الثاني فسيعمل كصيدلي في الكويت، في حين سيستقر فيصل (والذي كان موظفاً في البنك العربي) في مصر حيث سيتوظف كمصرفي في بنك الاسكندرية، أما ناهدة شقيقته فستستقر في السعودية (زوجة السفير فؤاد صفوت الحسيني) كما أن فاطمة وسمير سيسكنوا في الكويت. في حين ستبقى وفية وصفا ومليحة في القدس.

لم يكن والدهم القاضي هاشم يونس الحسيني ليترك القدس، الرجل الذي عمل في سلك القضاء في الحقبة العثمانية، ومسؤولاً عن وقف النبي موسى والذي ارتبط في المخيلة السياسية الفلسطينية بأولى الثورات “انتفاضة النبي موسى” عام 1920، كان مرتبطاً ومنغمساً في القدس، كما أنه لن يترك بناته الثلاث أيضاً.

كان هاشم الحسيني واثقاً أن ابنه موسى سيكون أباً حقيقياً لأشقائه، تشير الرسائل الكثيرة المتبقية في أوراق العائلة إلى جهود موسى هاشم الحسيني في تفعيل كافة علاقاته في سبيل مساعدة أخوته على الاستقرار في المدن المختلفة خارج فلسطين، فعلى أعتاب النكبة نرى الاقتصادي أحمد حلمي باشا يبعث برسالة لقنصل الجمهورية اللبنانية طالباً منه تأشيرة لأنور شقيق موسى لكي يسافر إلى لبنان. كافلاً إياه أمام السلطات.

لم يكن استقرار موسى هاشم الحسيني وأخوته ثابتاً، خلال مسيرتهم المهنية تنقلو بين العديد من العواصم وعملوا في الكثير من المشروعات، خلال هذه السنين، أرسلوا مئات الرسائل إلى عائلتهم في القدس، وصلت من اربد، عمان، الرياض، جدة، بيروت، دمشق، حلب، الاسكندرية، بور سعيد، بنغازي وأماكن أخرى حول العالم.

مئات الرسائل تصور الحب والفرح والأشواق، الحزن والهجرة والحنين، تحكي عن واقع الفلسطينيين في شتى العواصم، وعن حال البلاد وقضايا كثيرة في الأدب والفكر، في العلوم والرياضيات وعن حال الإنسان وتبدل الأزمان.

توثق الرسائل على خمسين عاماً تفاصيل حياة الأبناء والبنات، دراستهم، بحثهم عن العمل، زواجهم، انجابهم، حكايات أطفالهم، واقع الفلسطينيين في منطقتهم، سوق العمل وغيرها من القضايا، تبدأ الرسائل بشباب حالمين، ثم برجال يرسلون شوق أبنائهم، ثم بأحفاد يكتبون نيابة عن آبائهم.

كانت الرسائل تصل وكان هاشم يونس الحسيني يرتب الرسائل ويصنفها ضمن أوراقه والتي احتوت رسائل أبنائه، شهاداتهم التعليمية، معاملاتهم المادية، أوراقهم الثبوتية، نشاطاتهم الثقافية، وكافة أوراقهم الخاصة.  أوراق سيزيد عددها عن 2400 ورقة تحوي أكثر من 250 رسالة ستحفظ جميعها في أرشيف خزائن.

عام 1965 سيكون موسى الحسيني في القدس، ستصله برقية من الكويت، مُرسلة من الاقتصادي الكويتي السيد عبد اللطيف الحمد – من مجلس  ادارة الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، والذي يدعو الحُسيني لزيارة الكويت، زيارة سيلبيها موسى يونس الحسيني، وسيعمل مستشاراً للصندوق، دون أن يعلم أن هذه السفرة كانت ربما آخر مرة تطأ فيها قدماه أرضه القدس.

لن يزور الحسيني بعدها لا يافا ولا القدس، لن يرى سينما الحمراء، ولن يلتقي الكثير من أصدقاء الطفولة ومن رفاق العمر الذين جالسهم في يافا وحيفا والقدس، وسيغادر عالمنا في دمشق من عام 1987 دون أن يعرف الكثيرون قصته، وحدها الرسائل التي بعثها إلى القدس هي الشاهد الأخير على حكاية رجل اقتصاد فلسطيني لم تتسع الكثير من المؤسسات لكفاءته، ولم يحظ. ببناء مشروع حقيقي في المدينة التي تمنى أن تتسع لأحلامه

ملاحظة: لم تكن هذه الأوراق لترى النور لولا جهود السيدة جهاد جلال شرف والسيد داود الدجاني وابنتهم الشابة غدير الدجاني، والذين ساهموا في جمعها وتصنيفها، وايداع 2400 مادة من أوراق هاشم يونس الحسيني وأبنائه كما زودونا بالكثير من المعلومات والتفاصيل التوضيحية خلال عدة جلسات هدفت إلى دراسة المواد، فلهم جزيل الشكر.

فكرتان اثنتان على ”رسائل من العالم إلى القدس … أوراق موسى يونس الحسيني

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s