عن النكبة وشهادات من حقبة الحكم العسكري – مع المحامي علي رافع (المقالة 1)

فادي عاصلة

مؤسس أرشيف خزائن، يُعّد أطروحة الدكتوراة حول الكتابة التاريخية لدى القرويين الفلسطينيين

في 31 تشرين الأول من عام عام 1949 دوى اطلاق نار بالقرب من البيوت في قرية دير الأسد في الجليل، كان يومها الحاج رافع جالساً مع زوجته آمنة محمد العكاوي وحفيده علي، حين دوى ذلك الصوت فنظر إلى زوجته، هز رأسه بحزن وقال: “قتلوا أولادك يا آمنة، قتلو سعيد ومصطفى…” كانت هذه من العبارة من العبارات التي لن ينساها الحفيد علي والذي سمع خبر استشهاد والده مصطفى وعمه سعيد في لحظة واحدة دون أن يفهم معنى ذلك تماماَ.

لم يعرف أحد أسماء الشهداء حينها، كان الطريق الشمال والذي يؤدي إلى لبنان مغلقاً ضمن اجراءات الحكم العسكري، لكن مريم الرافع شقيقة سعيد ومصطفى كانت واقفة أمام المنزل حين مر علي الحوراني قادماً من الشمال فسألته عن اطلاق النار فقال سقط ثلاثة شهداء في معركة اثنان منهما أخواك سعيد ومصطفى أما الشهيد الثالث فتبين أنه شاب من قرية الكويكات اسمه شحادة. هرعت مريم إلى مكان اطلاق النار مع الكثيرين من أهل البلد وعندما أُحضر الشهداء الثلاثة خلع الأب كوفيته وعقاله وقال: ألبسوها لسعيد فهو يلبس الكوفية عادة، أما الشهداء فلا يُغسلون، هم شهداء عند ربهم”.

في اليوم التالي ظهر خبر استشهاد الشبان الثلاث في معظم الصحف العبرية الرئيسية كمعاريف وحروت ودافار وغيرها، والتي ادعت أن الشبان الثلاثة كانوا ضمن عصابة فلسطينية مسلحة مكونة من عشرين شخص، وقد قتلوا بعد تبادل لاطلاق نار ووجد بجانب الشهداء بنادق وذخائر عسكرية. صحف أخرى أضافت أنهم كانوا عصابة مسلحة تحاول السرقة، في حين تؤكد العائلة أنهم كانوا في طريقهم إلى دارهم بصحبة ضيوفهم.

لم تكن العصابة الفلسطينية تحاول السرقة كانت كالكثير من المجموعات الفلسطينية التي برزت حينها، تشكلت لكي يستعيد أبناؤها ما خسروه من بيوتهم وأراضٍ فكانوا يحاولون العودة عبر الحدود للاطمئنان على عائلاتهم وأهليهم وممتلكاتهم التي تركوها خلفهم. وكان خير من يحفظ طرق البلاد هو سعيد الرافع والذي شارك في العديد من الثورات الفلسطينية وقام بالعديد من عمليات التهريب العسكرية بين فلسطين ولبنان في الثورة وفي معارك النكبة عام 1948 حتى صار علماً في معرفة جغرافيا وطرق البلاد.

كانت هذه مشاهد الطفولة الأولى التي شكلت وعي علي رافع الذي ولد عام 1941، فقد والدته ابان احتلال دير الأسد مثلما فقد والده بعد ذلك عام 1949 قبل أن يبلغ الثامنة وقبل أن يحفظ ملامح وجه والده، ليبقي في عهدة جده وجدته بلا أب وبلا أم، نصف يومه معهم ونصف يومه الآخر في مدرسة القرية الابتدائية في البعنة، ثم بعد ذلك في مدرسة القرية المُطلة على العريض شرق منطقة العين، المنطقة التي شكلت مساحة للمعارك بين الفلسطينيين العائدين إلى أراضيهم وبين كتيبة الحدود الاسرائيلية “شرطة الصواري” التي كانت تطاردهم (على متن الخيول)، لينتهي الأمر دوماً إما بترحيل أبناء المنطقة إلى لبنان وإما باستشهاد العائدين وبقائهم في أرضهم جثثاً يدفنون بصمت وحزن كحالة سعيد ومصطفى رافع.

يقول علي رافع: “كثيراً ما كنا ومن شباك المدرسة نشاهد مطاردة بين الجنود وبين الفلسطينيين العائدين إلى بلادهم، كثيراً ما كانت هذه المشاهد تكون على مرأى العين، وكان المعلم يقطع تركيزنا حين يقول: انتبهو إلى اللوح… رأينا الكثير من الفلسطينيين المقتلعين من أرضهم في لحظتهم الأخيرة وهم يهجرون من بلادهم، من شباك الصف رأيناهم، رأينا خطواتهم الأخيرة، قبل أن يتحولوا إلى لاجئين…”

مصير اللجوء كان يمكن أن تواجهة عائلة رافع نفسها، يذكر رافع ما حكاه الناس عن احتلال قريته – حين خرج الناطور سعيد بكرية منادياً “يا سامعين الصوت صلوا ع النبي وانزلو عند الكراج بين الزيتون” حيث تم تجميع الناس واطلقت النيران على أربعة من الشبان، إثنان منهم من قرية دير الأسد: وهم الشهيد صبحي محمود ذباح والشهيد أحمد عبد الله علي صنع الله. وشهيدان من قرية البعنة وهما: الشهيد حنا إلياس فرهود والشهيد علي محمد العابد وسيرى رافع بيت المختار محمود سعيد الخطيب وبيت السيد حسن العكاوي وقد سويا بالأرض وهُدما.

مصير التهجير لم يواجه عائلة رافع والتي كانت قد تركت القرية في آب من عام 1948 ومضت نحو قرية يركا في استضافة الشيخ كامل معدي، يذكرعلي رافع أنهم حملوا فراشهم معهم ولكن الشيخ معدي رفض أن يستخدموا فراشهم واستضافهم بكرم وترحاب، كما استضافت قرية يركا العديد من أهالي دير الأسد الذين لجأوا إلى يركا.

هذه الهجرة القصيرة إلى قرية يركا سمحت لمن تبقى من العائلة أن يحصل على الهوية وأن يثبت وجوده في أرضه، نوعان من الهويات كانت تعطى في فترة الحكم العسكري، هوية زرقاء للذين استطاع أن يثبتوا تواجدهم في أراضيهم، وهوية حمراء هوية مؤقتة لأشخاص آخرين بحسب اعتبارات الاحتلال، وكان المحامي حنا نقارة المنتمي للحزب للشيوعي هو أحد المحامين القلائل الذين تجندوا واستطاعوا استبدال عشرات الهويات وبذلك منع ترحيل أصحابها بعد التوجه للمحكمة.

يذكر علي رافع الهتاف الشعبي الشهير الذي ردده الفلسطينيون خلف المناضلة فاطمة البكري في كل مرة كان يتم الحصول على هوية زرقاء بدل الهوية الحمراء:

طارت طيارة من فوق اللية[1]

الله معاكم يا الشيوعية

وحنا نقارة جاب الهوية

غصبن عن رقبة إبن غوريونا

من شباك المدرسة سيسمع رافع هذه الأغاني، سيرى المهجرين والعائدين، سيسمع أصوات البنادق ولهاث الخيل تطارد المهجرين. صور وأصوات رسمت وشكلت هويته وحلمه بأن يدافع عن كل هؤلاء الناس ويعيدهم إلى بلادهم تماماً كما يفعل حنا نقارة والذي سيلتقيه رافع بعد سنين وسيخبره بكل ذلك وسيتدرب في مكتبة ليصير أحد أبرز المحامين في الداخل الفلسطيني والذي سيكملون طريق نقارة.

مقعد علي رافع في المدرسة سيحفظ كل هذه الذكريات والقصص والأحلام، وسيشاركه المقعد صديق طفولة وسيم المحيا هو الآخر يحمل قصة شبيه بقصة رافع، فقد فقد شيئاً من صباه حين خسر بيته في البروة وحين هاجرت عائلته إلى لبنان، وحين عادت بعدها لتسكن قرية دير الأسد في نفس البيت الذي ولد فيه علي رافع ( كان البيت قد بيع لشخص آخر في قرية دير الأسد) وحين انتقلوا بعد ذلك إلى قرية الجديدة في الجليل. صديق رافع هو الآخر اعتاد النظر من ذات الشباك ورؤية كل ذلك، لكن صديقه لن يصير محامياً سيصير محمود درويش (1941-2008) الشاعر الذي سيوصل كل تلك القصص إلى العالمية قصص أوراق الزيتون، والعصافير التي تموت في الجليل، وعاشق من فلسطين، وسيشكل مقعد الدراسة وشباك المدرسة وتفاصيل هذه المرحلة محاولاته ودواوينه الشعرية الأولى.

تطورت في تلك الفترة أيضاً علاقة علي رافع بالأديب الراحل شكيب جهشان (1936-2003)، والتي ستكون بداية صداقة لسنين طويلة، كانت نتاجها انتقال علي رافع للدراسة في ثانوية الرامة لكي يتعلم في صفه، ومن ثم سينتقل بعدها إلى ثانوية كفر ياسيف في حضرة صديقين آخرين سيرافقان مسيره لعشرات السنين بعدها وهما الشاعر محمود درويش وشقيقه الأديب زكي درويش.

بعد التخرج من الثانوية كان على رافع أن يجد منحة جامعية للدراسة، هذه المرة جاءت المنحة من العائلة من شقيقه كامل والذي سيمضي نحو العمل في الأشغال الشاقة لمساعدة شقيقه في تحصيله العلمي في كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس.

 توضح الرسائل المحفوظة في “أرشيف علي رافع وسارة جودة” طبيعة العلاقة العميقة والمميزة بين الشقيقين. كما توضح الرسائل التي يزيد عددها عن أكثر من ثلاثمائة رسالة في فترة الحكم العسكري شبكة العلاقات المتشابكة والمتشبعة التي ستُنسج بين علي رافع ومجموعة من زملاء الدراسة الذين سيصيرون من النخب الفلسطينية الجديد بعد النكبة: محمود درويش، صبري جريس، سميح القاسم، زكي درويش، منصور كردوش، حنا نقارة وغيرهم والتي تستحق أن يفرد لها مساحة خاصة، مساحة لا يمكن فهمها دون فهم هذا الواقع المركب الذي عاشه رافع وعاشه أكثر من مائة وخمسين ألف فلسطيني ظلوا في الداخل يحاولون استيعاب النكبة وصدمتها ويحاولون اعادة بناء هويتهم، هوية وطنية ساهم رافع مع أبناء جيله في تشكيلها.

ملاحظة: نشكر السيد علي رافع وابنت الإعلامية نضال علي رافع على ساعات من العمل الدؤوب معنا من أجل توثيق القصة، وعلى تزويدنا بآلاف الوثائق النوعية والمميزة، لم يكن هذا العمل لينجز دون مساهمتهما.


[1] منطقة في الجليل بين قرية مجد الكروم وقرية البروة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s